الدعوى البوليصية في القانون المصري: عدم نفاذ تصرف المدين الضار بحقوق الدائن
المستشار / محمد حسن عايد المحامي بالنقض وعضو إتحاد المحامين العرب
إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض
تاريخ التحرير: 21 أكتوبر 2026
ما هي الدعوى البوليصية؟
الدعوى البوليصية، أو دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن، هي دعوى مدنية يرفعها الدائن في الحالات التي يتصرف فيها المدين في أمواله على نحو يضر بالضمان العام المقرر للدائنين، متى توافرت الشروط التي يحددها القانون المدني.
وتظهر أهمية هذه الدعوى عندما يبيع المدين عقارًا أو يتنازل عن مال أو يجري تصرفًا يؤدي إلى إنقاص أمواله أو زيادة التزاماته، بما يترتب عليه إعساره أو زيادة إعساره، ويؤثر في قدرة الدائن على اقتضاء حقه.
لكن ليس كل تصرف يجريه المدين في أمواله قابلًا للطعن بالدعوى البوليصية؛ إذ يتطلب القانون شروطًا تتعلق باستحقاق الدين، وأثر التصرف في الحالة المالية للمدين، وطبيعة التصرف، والغش أو العلم به في الحالات التي يشترطها القانون.
كما يجب التمييز بين الدعوى البوليصية ودعوى الصورية؛ فالأولى تتعلق بتصرف حقيقي يُطلب عدم نفاذه في حق الدائن، بينما تقوم الثانية على الادعاء بأن التصرف الظاهر لا يعكس الحقيقة.
أولًا: ما الأساس القانوني للدعوى البوليصية؟
ينظم القانون المدني المصري دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في المواد من 237 وما بعدها، ويضع شروطًا تختلف بحسب ما إذا كان التصرف بعوض أو بغير عوض، وبحسب الوقائع المتعلقة بالغش والعلم به.
وتقرر المادة 237، في جوهرها، أن للدائن الذي أصبح حقه مستحق الأداء أن يطلب عدم نفاذ تصرف ضار صادر من المدين إذا أدى التصرف إلى إنقاص حقوق المدين أو زيادة التزاماته، وترتب عليه إعساره أو الزيادة في إعساره، مع ضرورة توافر الشروط القانونية الأخرى.
وتتناول المادة 238 شروط التصرف بعوض، ومنها الغش من المدين وعلم المتصرف إليه به وفقًا للضوابط التي يقررها النص. وتُستكمل هذه الأحكام بالنصوص التالية المنظمة للتصرفات بغير عوض، وآثار الحكم، وحقوق الدائنين، ومدة رفع الدعوى.
ثانيًا: ما شروط قبول الدعوى البوليصية؟
يتعين قبل رفع الدعوى فحص الشروط الأساسية الآتية:
1. أن يكون حق الدائن مستحق الأداء
يشترط النص أن يكون حق الدائن قد أصبح مستحق الأداء وفقًا للقواعد القانونية المنطبقة. ولذلك يجب مراجعة تاريخ استحقاق الدين، وطبيعة الالتزام، وأي شروط أو آجال أو منازعات تؤثر في استحقاقه.
ولا يكفي مجرد وجود علاقة سابقة بين الدائن والمدين إذا لم يكن الحق مستوفيًا للشروط التي يتطلبها القانون لإقامة هذه الدعوى.
2. صدور تصرف من المدين
يجب تحديد التصرف الذي يطعن عليه الدائن، مثل البيع أو الهبة أو التنازل أو أي تصرف آخر تنطبق عليه الأحكام القانونية.
وينبغي التمييز بين التصرف القانوني الذي يمكن أن يكون محلًا للدعوى، وبين مجرد واقعة مادية أو حكم قضائي أو إجراء يخضع لطريق قانوني مختلف؛ فلكل حالة أحكامها.
3. أن يكون التصرف ضارًا بالضمان العام للدائنين
يتطلب الأمر إثبات أن التصرف أدى إلى إنقاص حقوق المدين أو زيادة التزاماته، وأن ذلك ترتب عليه إعساره أو زيادة إعساره، وفقًا لما يقرره القانون.
ولا يكفي مجرد القول إن المدين باع عقارًا أو نقل ملكية مال؛ بل يجب بحث حالته المالية قبل التصرف وبعده، ومدى كفاية أمواله للوفاء بحقوق الدائنين.
4. توافر شروط الغش والعلم به عند اشتراطهما
إذا كان التصرف بعوض، تطبق الشروط الواردة في المادة 238 من القانون المدني، بما يتصل بالغش من المدين وعلم المتصرف إليه به.
أما التصرف بغير عوض، فتخضع الدعوى للأحكام الخاصة التي يقررها القانون لهذه الحالة، ولا يجوز افتراض تطابق شروط النوعين.
ويجب تحديد طبيعة التصرف أولًا قبل بناء الدعوى على ادعاء الغش أو سوء النية.
5. مراعاة الشروط الخاصة بكل حالة
قد تتعلق الدعوى ببيع عقار أو هبة أو تصرف آخر، وقد تكون هناك حقوق للغير أو إجراءات تنفيذ أو تسجيل تؤثر في تحديد الطلبات والأثر المطلوب.
ولذلك ينبغي فحص جميع الظروف المحيطة بالتصرف قبل تحديد الخصوم والطلبات والأدلة.
ثالثًا: كيف تثبت أن تصرف المدين أضر بالدائن؟
تحتاج الدعوى عادة إلى أدلة تكشف عن الدين والتصرف والأثر المالي المترتب عليه. ومن المستندات التي قد تكون مهمة:
عقد الدين أو الحكم الصادر به أو السند المثبت للحق.
المستندات التي توضح تاريخ استحقاق الدين.
عقد التصرف المطعون عليه، مثل عقد البيع أو الهبة أو التنازل.
بيانات العقارات والأموال التي كانت مملوكة للمدين قبل التصرف وبعده.
مستندات التنفيذ أو محاضر الحجز أو ما يكشف عن تعذر التنفيذ، بحسب الحالة.
كشوف الحسابات أو المستندات المالية ذات الصلة بالملاءة المالية للمدين.
المستندات التي توضح قيمة التصرف ومقابل البيع الفعلي، إذا كان ذلك مؤثرًا في النزاع.
المراسلات أو القرائن التي قد تدل على الغش أو العلم بالإعسار، متى كان إثبات ذلك مطلوبًا.
المستندات التي تكشف عن العلاقة بين المدين والمتصرف إليه، إذا كانت لها دلالة في ضوء الوقائع.
ويجب أن تتساند الأدلة لإثبات عناصر الدعوى؛ فلا يعني عدم وجود أموال ظاهرة باسم المدين وحده أن كل تصرف سابق صدر بقصد الإضرار بالدائن، كما لا يكفي وجود علاقة قرابة بين طرفي التصرف وحدها لإثبات الغش.
رابعًا: هل يشترط إثبات سوء نية المشتري؟
يتوقف الجواب على طبيعة التصرف والأحكام القانونية التي تحكمه.
ففي التصرف بعوض، تنظم المادة 238 شروط الغش من المدين وعلم المتصرف إليه به. ويكفي، وفقًا للنص، لاعتبار التصرف منطويًا على الغش أن يكون المدين قد أبرمه وهو عالم بإعساره، كما يُعد المتصرف إليه عالمًا بغش المدين إذا كان قد علم بإعساره، مع مراعاة سائر شروط الدعوى.
أما التصرف بغير عوض، فتسري عليه الأحكام الخاصة التي يقررها القانون، ولا يصح نقل جميع شروط التصرف بعوض إليه دون تمييز.
ومن الناحية العملية، يجب بناء الادعاء على وقائع ومستندات محددة، مثل ظروف إبرام التصرف، ومقابله، وحالة المدين المالية، وعلم الطرف الآخر بالوقائع ذات الصلة، بدلًا من الاكتفاء بأوصاف عامة لا تسندها أدلة.
خامسًا: ما أثر الحكم بعدم نفاذ التصرف؟
الدعوى البوليصية ليست، في أصلها، دعوى تستهدف إبطال التصرف بين طرفيه لمجرد أنه أضر بالدائن؛ بل تستهدف عدم نفاذه في حق الدائن الذي تتوافر له شروط الحماية القانونية.
وبالتالي، فإن الأثر الأساسي للحكم يختلف عن الأثر المترتب على الحكم بصورية التصرف أو بطلانه. فالتصرف قد يظل قائمًا بين طرفيه، بينما لا يُحتج به على الدائن المستفيد من الحكم في الحدود التي يقررها القانون.
ولا يعني الحكم تلقائيًا إعادة ملكية المال إلى المدين في جميع العلاقات أو إلغاء التصرف في مواجهة كل الأشخاص؛ إذ يتحدد الأثر بحسب طبيعة التصرف، ومن صدر الحكم لمصلحته، والطلبات التي فصلت فيها المحكمة، والقواعد القانونية واجبة التطبيق.
وقد أكدت مبادئ قضائية منشورة لمحكمة النقض أن الدعوى البوليصية تختلف عن دعوى الصورية، وأن الحكم بعدم نفاذ التصرف في حق الدائن لا يساوي الحكم ببطلانه بين المتعاقدين.
سادسًا: ما مدة رفع الدعوى البوليصية؟
تنص المادة 243 من القانون المدني المصري على سقوط دعوى عدم نفاذ التصرف بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه الدائن بسبب عدم نفاذ التصرف، وتسقط في جميع الأحوال بانقضاء خمس عشرة سنة من وقت صدور التصرف المطعون فيه.
ولذلك ينبغي تحديد تاريخ التصرف، وتاريخ علم الدائن بالوقائع التي تؤسس الدعوى، وفحص أي مسائل قانونية تؤثر في حساب المدة أو تطبيق النص.
ولا يُنصح بتأجيل اتخاذ الإجراء القانوني اعتمادًا على تقدير غير موثق لتاريخ العلم أو بدء المدة؛ إذ قد يؤدي الخطأ في حسابها إلى تعريض المطالبة لخطر عدم القبول أو السقوط بحسب التكييف القانوني المنطبق.
سابعًا: ما الفرق بين الدعوى البوليصية ودعوى الصورية؟
يختلف الطريق القانوني بحسب ما إذا كان التصرف حقيقيًا أم صوريًا:
الدعوى البوليصية: تفترض وجود تصرف حقيقي، ويطلب الدائن عدم نفاذه في حقه بسبب الضرر الذي ألحقه بضمانه العام، مع توافر الشروط القانونية.
دعوى الصورية: تقوم على الادعاء بأن العقد الظاهر لا يعكس الحقيقة أو يخفي تصرفًا آخر.
دعوى البطلان: تتعلق بوجود عيب قانوني يؤثر في صحة التصرف، وفقًا لشروط البطلان وأحكامه.
وقد تتشابه الوقائع الظاهرة في بعض المنازعات، لكن اختيار الدعوى يتطلب تحديد ما إذا كان التصرف غير حقيقي أصلًا، أو حقيقيًا لكنه ضار بالدائن، أو معيبًا من ناحية أخرى.
ولا ينبغي الجمع بين هذه الأوصاف في صحيفة واحدة دون تحديد الأساس القانوني لكل طلب وآثاره.
ثامنًا: نموذج استرشادي لصحيفة دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن
تنبيه: الصيغة التالية نموذج أولي، ويجب تكييفها بحسب طبيعة الدين والتصرف، وما إذا كان التصرف بعوض أو بغير عوض، والوقائع المتعلقة بالإعسار والغش والعلم به، مع مراجعة المدد والإجراءات قبل الإيداع.
إنه في يوم …….. الموافق ../../….
بناءً على طلب السيد/ ……..، المقيم في ……..، ومحله المختار مكتب الأستاذ/ …….. المحامي.
أنا …….. محضر محكمة …….. قد انتقلت وأعلنت:
السيد/ ……..، المقيم في ……..، بصفته المدين، مخاطبًا مع/ ……..
السيد/ ……..، المقيم في ……..، بصفته المتصرف إليه، مخاطبًا مع/ ……..
الموضوع
دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن.
الوقائع
للطالب في ذمة المعلن إليه الأول دين قدره …….. بموجب …….. المؤرخ ../../….، وقد أصبح هذا الدين مستحق الأداء بتاريخ ../../….، وفقًا للمستندات المرفقة.
وقد أبرم المدين التصرف محل الدعوى بتاريخ ../../….، بموجب ……..، والمتعلق بـ …….. لصالح المعلن إليه الثاني.
ويتمسك الطالب بأن التصرف المذكور قد أضر بحقوقه وأثر في الضمان العام المقرر له، وذلك للأسباب الآتية: ……..، وبما يترتب عليه إعسار المدين أو زيادة إعساره، فضلًا عن الوقائع والأدلة المتعلقة بطبيعة التصرف وشروط عدم نفاذه وفقًا للقانون.
وحيث توافرت، بحسب ما يتمسك به الطالب، شروط عدم نفاذ التصرف في حقه، فقد أقام الدعوى الماثلة بطلب الحكم وفقًا للقانون.
الأسانيد
يستند الطالب إلى أحكام المواد 237 وما بعدها من القانون المدني المصري المنظمة لدعوى عدم نفاذ تصرف المدين، وبصفة خاصة المواد 237 و238 و243 بحسب طبيعة التصرف والوقائع، وإلى المستندات والأدلة التي تؤيد الدين واستحقاقه والتصرف المطعون عليه وأثره في الحالة المالية للمدين.
بناءً عليه
أنا المحضر سالف الذكر قد انتقلت إلى حيث إقامة المعلن إليهما وسلمت كلًا منهما صورة من هذه الصحيفة، وكلفتهما الحضور أمام محكمة ……..، الدائرة ……..، بجلستها المنعقدة يوم …….. الموافق ../../….، ليسمعا الحكم بـ:
أولًا: قبول الدعوى شكلًا، متى استوفت شروط قبولها.
ثانيًا: وفي الموضوع، بعدم نفاذ التصرف المؤرخ ../../….، والمبرم بين المعلن إليهما، في حق الطالب، في الحدود التي يجيزها القانون، متى ثبتت للمحكمة شروط الدعوى.
ثالثًا: ترتيب الآثار القانونية المترتبة على الحكم بعدم النفاذ، في حدود حق الطالب والطلبات المعروضة على المحكمة.
رابعًا: إلزام المعلن إليهما بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، بحسب ما تقدره المحكمة، مع مراعاة قواعد المسؤولية الإجرائية المنطبقة.
مع حفظ كافة الحقوق الأخرى للطالب.
ولأجل العلم،،
بيانات مكتب محامي مصر
الموقع الإلكتروني: https://mohamyeg.com/
شبين الكوم: شارع أنور السادات، أعلى معمل البرج، الدور الثاني.
تلا: شارع البطل أحمد عبد العزيز، عمارة سامي عوض، الدور الأول العلوي.
هاتف وواتساب: 01097672223
إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض
الكلمات المفتاحية الرئيسية: الدعوى البوليصية في القانون المصري، دعوى عدم نفاذ تصرف المدين، التصرف الضار بحقوق الدائن، الطعن على تصرف المدين.
الكلمات المفتاحية الثانوية: شروط الدعوى البوليصية، المادة 237 من القانون المدني، المادة 238 مدني، المادة 243 مدني، إعسار المدين، الغش في تصرفات المدين، عدم نفاذ بيع العقار في حق الدائن، الفرق بين الصورية والدعوى البوليصية، محامي منازعات الدائنين والمدينين.
أقوى عبارات البحث المستهدفة: كيف أطعن على بيع المدين لأمواله، ما شروط الدعوى البوليصية في مصر، متى يجوز عدم نفاذ تصرف المدين، مدة رفع دعوى عدم نفاذ التصرف، هل يجوز للدائن الطعن على بيع عقار المدين، الفرق بين دعوى الصورية والدعوى البوليصية، محامي دعاوى عدم نفاذ التصرف في مصر.
