مراقبة الاتصالات وتسجيل الأحاديث في قانون الإجراءات الجنائية الجديد
مراقبة الاتصالات وتسجيل الأحاديث في قانون الإجراءات الجنائية الجديد
إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض
مقدمة
يُعد التفتيش من أكثر الإجراءات الجنائية اتصالًا بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة وحرمة المسكن، ولذلك لم يتركه قانون الإجراءات الجنائية الجديد دون ضوابط، وإنما أحاطه بمجموعة من القواعد التي تحدد متى يجوز التفتيش، ومن يملكه، وما الحدود التي يجب ألا يتجاوزها.
وتزداد أهمية هذه المسألة عمليًا لأن كثيرًا من الأدلة الجنائية قد يتم ضبطها نتيجة تفتيش شخص أو مسكن أو وسيلة نقل، وهو ما يجعل مشروعية التفتيش مسألة سابقة على مناقشة قيمة الدليل ذاته.
أولًا: الأصل أن التفتيش إجراء استثنائي
الأصل هو احترام الحرية الشخصية وحرمة المسكن والحياة الخاصة، ولا يجوز الانتقال إلى التفتيش إلا وفق الحالات والضوابط التي حددها القانون.
وقد قرر قانون الإجراءات الجنائية الجديد، في غير حالة التلبس، عدم جواز القبض على الشخص أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.
ومن ثم لا يكفي مجرد الاشتباه المجرد لتبرير التفتيش في الحالات التي يشترط القانون فيها أمرًا قضائيًا.
ثانيًا: التفتيش يرتبط بضوابط القبض والتحقيق
ينبغي التفرقة بين:
- تفتيش الشخص.
- تفتيش المسكن.
- تفتيش وسيلة النقل.
- ضبط الأشياء.
- فحص الأجهزة والوسائط الإلكترونية.
فلكل إجراء طبيعته القانونية وشروطه، ولا يصح افتراض مشروعية أحدها لمجرد مشروعية إجراء آخر.
ثالثًا: تفتيش الشخص
تفتيش الشخص من الإجراءات التي تمس الحرية الشخصية مباشرة، ولذلك يجب أن يستند إلى السند القانوني الذي يسمح به.
وفي الحالات التي يكون فيها التفتيش نتيجة لإجراء قبض مشروع، يجب فحص مدى توافر شروط القبض ذاته، والجهة التي قامت به، والسبب الذي استندت إليه، وتوقيت التفتيش وظروفه.
أما إذا كان القبض ذاته غير مشروع، فإن أثر ذلك على التفتيش والأدلة الناتجة عنه يكون محل بحث بحسب طبيعة الإجراء والارتباط بينهما.
رابعًا: تفتيش المسكن
حرمة المسكن من الضمانات الأساسية التي يجب مراعاتها في الإجراءات الجنائية.
ولذلك فإن تفتيش المسكن لا يُعامل كإجراء عادي، وإنما يجب التحقق من السند القانوني الذي يسمح به، ومن صدور الإذن من الجهة المختصة في الحالات التي يشترط فيها القانون ذلك، ومن تحديد نطاق الإذن والالتزام بحدوده.
خامسًا: أهمية إذن التفتيش
عند وجود إذن بالتفتيش، لا يكفي الاطلاع على عنوانه أو وجوده في الأوراق، وإنما يجب فحص مضمونه.
ومن أهم الأسئلة التي يجب طرحها:
- من أصدر الإذن؟
- هل كان مختصًا بإصداره؟
- هل الإذن مسبب حيث يشترط القانون التسبيب؟
- ما الشخص أو المكان محل التفتيش؟
- ما الجريمة التي صدر الإذن بشأنها؟
- هل كان الإذن لا يزال صالحًا وقت التنفيذ؟
- هل التزم القائم بالتنفيذ بحدود الإذن؟
- هل تم ضبط أشياء تدخل في نطاق الإجراء؟
سادسًا: التفتيش لا يبيح البحث عن أي شيء دون حدود
حتى مع وجود إذن صحيح، لا يعني ذلك أن القائم بالتفتيش أصبح مطلق اليد في البحث عن أي شيء أو في أي مكان.
فالقاعدة العملية المهمة هي أن التفتيش يجب أن يظل في الحدود التي رسمها القانون والإذن القضائي وطبيعة الواقعة محل التحقيق.
ومن هنا تظهر أهمية مقارنة ما ورد بالإذن بما تم بالفعل أثناء التنفيذ.
سابعًا: التفتيش في حالة التلبس
تختلف القواعد عندما تكون الجريمة في حالة تلبس، إذ منح القانون مأموري الضبط القضائي سلطات إجرائية خاصة في الحالات التي حددها.
لكن مجرد وصف الواقعة بأنها “تلبس” لا يحسم المسألة وحده؛ إذ يجب بحث توافر حالة التلبس وفق الضوابط القانونية والوقائع الثابتة في الأوراق.
ثامنًا: هل يجوز تفتيش الهاتف المحمول؟
الهاتف المحمول لم يعد مجرد شيء مادي عادي، وإنما قد يحتوي على مراسلات وصور ومحادثات وبيانات شخصية وحسابات إلكترونية.
ولذلك ينبغي التفرقة بين ضبط الهاتف كشيء مادي وبين الاطلاع على محتواه أو استخراج البيانات منه.
كما نظم القانون الجديد إجراءات خاصة للمراقبة وضبط المراسلات والاتصالات وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي غير المتاحة للجميع والبريد الإلكتروني والرسائل النصية والمسموعة والمصورة، في الحالات والجرائم التي حددها القانون وبأمر مسبب وللمدة المقررة.
تاسعًا: متى يمكن الدفع ببطلان التفتيش؟
من المسائل التي قد تستوجب بحث البطلان:
- عدم وجود السند القانوني اللازم للتفتيش.
- صدور الإذن من غير المختص.
- عدم توافر شروط حالة التلبس عند الاستناد إليها.
- صدور الإذن على غير أساس قانوني صحيح.
- تنفيذ التفتيش بعد انتهاء مدة الإذن.
- تجاوز نطاق الإذن.
- تفتيش شخص أو مكان غير المحدد بالإذن في الحالات التي يتطلب فيها القانون تحديده.
- مخالفة الضمانات الجوهرية التي يقررها القانون.
ولا يعني وجود مخالفة في كل حالة أن النتيجة القانونية واحدة؛ إذ يجب تحديد طبيعة النص المخالف وأثر المخالفة والإجراءات والأدلة التي ترتبت عليها.
عاشرًا: أثر بطلان التفتيش على الدليل
من أهم الأسئلة التي تهم الدفاع: ماذا يحدث للدليل الذي تم ضبطه نتيجة التفتيش؟
تنص المادة 338 من القانون الجديد على أن بطلان الإجراء يمتد إلى جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة، مع إعادة الإجراء متى كان ذلك ممكنًا.
ومن ثم يجب تحديد العلاقة بين الإجراء المطعون عليه والدليل محل الاستناد.
الحادي عشر: التفتيش وضبط الأشياء
يجب كذلك التمييز بين التفتيش وبين ضبط الأشياء.
فقد يكون الإجراء صحيحًا من حيث التفتيش، ثم يثور النزاع حول مشروعية ضبط شيء معين أو الاحتفاظ به أو فحصه أو استخدامه كدليل.
ولذلك فإن الدفاع الجيد لا يكتفي بالدفع العام ببطلان التفتيش، وإنما يفحص كل إجراء على حدة.
أهم الأسئلة العملية
هل يجوز تفتيش الشخص دون أمر؟
الإجابة تختلف بحسب الحالة القانونية؛ فالقانون يقرر أحكامًا خاصة في حالة التلبس، بينما يشترط خارجها أمرًا قضائيًا مسببًا في الحالات التي حددها.
هل وجود إذن تفتيش يعني صحة كل ما تم ضبطه؟
ليس بالضرورة؛ إذ يجب فحص حدود الإذن وكيفية تنفيذه وما إذا كان الشيء المضبوط يدخل في نطاق الإجراء.
هل تفتيش الهاتف مثل تفتيش الشخص؟
لا ينبغي معاملتهما باعتبارهما إجراءً واحدًا؛ فالوصول إلى محتوى البيانات الإلكترونية قد يخضع لضوابط إضافية تختلف عن مجرد ضبط الجهاز.
هل بطلان التفتيش يعني انتهاء القضية؟
ليس بالضرورة؛ فالنتيجة تتوقف على الأدلة الأخرى الموجودة في الدعوى ومدى اعتماد الاتهام على الدليل محل الطعن.
كيف يفحص المحامي تفتيشًا محل نزاع؟
عمليًا، ينبغي مراجعة:
- محضر الاستدلالات.
- محضر القبض.
- إذن التفتيش.
- تاريخ وساعة إصدار الإذن.
- تاريخ وساعة التنفيذ.
- مكان التنفيذ.
- أسماء القائمين بالتنفيذ.
- الأشياء المضبوطة.
- صلة المضبوطات بالإذن.
- الإجراءات اللاحقة للضبط.
خلاصة
مشروعية التفتيش من أهم النقاط التي يجب فحصها في الدعوى الجنائية، لأن الدليل الذي يتم الحصول عليه نتيجة إجراء غير مشروع قد يثور بشأنه نزاع إجرائي وقانوني مؤثر.
ولهذا فإن دراسة التفتيش لا ينبغي أن تقتصر على السؤال: “هل تم العثور على دليل؟”، وإنما تبدأ بالسؤال الأهم: كيف تم الوصول إلى هذا الدليل؟
إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض
للاستشارات والتواصل:
- الموقع الإلكتروني: www.mohamyeg.com
- الهاتف والواتساب: 01097672223
- مكتب تلا: شارع البطل أحمد عبد العزيز – أمام المحكمة
- مكتب شبين الكوم: شارع أنور السادات – أعلى معمل البرج – الدور الثاني
الكلمات المفتاحية الرئيسية والفرعية:
الكلمة الرئيسية: بطلان التفتيش في القانون الجنائي
الكلمات الفرعية:
تفتيش المتهم، تفتيش المسكن، شروط التفتيش، إذن التفتيش، بطلان إذن التفتيش، بطلان تفتيش المنزل، تفتيش الهاتف المحمول، تفتيش الشخص، التفتيش في حالة التلبس، أثر بطلان التفتيش، الدليل المستمد من التفتيش، قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
