حجية الدليل الرقمي أمام القضاء المصري | شروط قبوله وقوته في الإثبات الجنائي والمدني

حجية الدليل الرقمي أمام القضاء المصري | شروط قبوله وقوته في الإثبات الجنائي والمدني

إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض

تاريخ التحرير: 8 أكتوبر 2026

أصبح الدليل الرقمي من أهم وسائل الإثبات أمام القضاء المصري، في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثة والبريد الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية والكاميرات وأنظمة الحاسب الآلي.

فقد أصبحت الرسائل الإلكترونية، والمحادثات عبر تطبيقات التواصل، والصور ومقاطع الفيديو، وبيانات الحسابات الإلكترونية، وسجلات الدخول، وبيانات الأجهزة والهواتف والحواسيب، من الوسائل التي قد يكون لها دور جوهري في إثبات الجريمة أو نفيها، أو إثبات الحقوق والالتزامات في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية.

وقد أدرك المشرع المصري هذه التطورات، فنظم حجية الكتابة والمحررات والتوقيعات الإلكترونية في القانون رقم 15 لسنة 2004 بشأن تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، ثم نظم بصورة أكثر تحديدًا حجية الأدلة الرقمية في المجال الجنائي من خلال القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1699 لسنة 2020.

ومن ثم لم يعد السؤال أمام القضاء هو: هل يجوز تقديم دليل إلكتروني؟

وإنما أصبح السؤال الأهم:

هل تم الحصول على الدليل الرقمي واستخراجه وحفظه وتوثيقه بطريقة تجعله مستوفيًا للشروط القانونية والفنية التي تمنحه الحجية؟

أولاً: ما هو الدليل الرقمي؟

عرّف القانون رقم 175 لسنة 2018 الدليل الرقمي بأنه:

“أي معلومات إلكترونية لها قوة أو قيمة ثبوتية مخزنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب أو الشبكات المعلوماتية وما في حكمها، ويمكن تجميعها وتحليلها باستخدام أجهزة أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة.”

وبذلك فإن الدليل الرقمي لا يقتصر على صورة أو رسالة إلكترونية، وإنما يشمل نطاقًا واسعًا من المعلومات والبيانات التي يمكن أن تكون لها قيمة في الإثبات.

ومن أمثلته:

  • الرسائل الإلكترونية.
  • رسائل البريد الإلكتروني.
  • محادثات تطبيقات التواصل.
  • بيانات الهواتف المحمولة.
  • الملفات الإلكترونية.
  • الصور ومقاطع الفيديو.
  • بيانات الحسابات الإلكترونية.
  • سجلات الدخول والخروج.
  • البيانات المستخرجة من أجهزة الحاسب.
  • البيانات الموجودة على الوسائط الإلكترونية.
  • سجلات الأنظمة المعلوماتية.
  • بعض بيانات الاتصال وعناوين IP متى أمكن ربطها بالواقعة وفق الإجراءات القانونية والفنية.
  • التسجيلات والبيانات الرقمية التي يمكن فحصها فنيًا وإسنادها إلى مصدرها.

ثانياً: ما حجية الدليل الرقمي في القانون المصري؟

وضع المشرع المصري قاعدة صريحة في المادة 11 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

فقد قرر أن الأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة والمعدات والوسائط والدعامات الإلكترونية، أو من النظام المعلوماتي أو برامج الحاسب، أو من أي وسيلة لتقنية المعلومات، تكون لها ذات قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي، متى توافرت فيها الشروط الفنية التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون.

وهذه قاعدة تشريعية مهمة؛ لأنها أخرجت الدليل الرقمي من مجرد كونه وسيلة استرشادية إلى دليل يمكن أن تكون له قيمة الدليل الجنائي المادي متى استوفى الضوابط القانونية والفنية.

لكن يجب الانتباه إلى عبارة:

“متى توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية”.

فهذه العبارة هي جوهر حجية الدليل الرقمي.

فليس كل محتوى إلكتروني مقدم إلى المحكمة يتمتع تلقائيًا بالحجية القانونية الكاملة.

ثالثاً: ما شروط حجية الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي؟

حددت المادة 9 من اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1699 لسنة 2020، الضوابط التي يجب توافرها حتى تحوز الأدلة الرقمية قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية.

ومن أهم هذه الضوابط:

1- الحفاظ على سلامة الدليل الرقمي

يجب أن يتم جمع أو الحصول على الدليل الرقمي أو استخراجه أو استنباطه باستخدام تقنيات تضمن عدم:

  • تغيير البيانات.
  • تحديثها.
  • محوها.
  • تحريفها.
  • إتلاف الأجهزة أو الأنظمة أو البرامج.
  • العبث بالدعامات الإلكترونية.

وقد أشارت اللائحة إلى تقنيات فنية من بينها Digital Images Hash و Write Blocker وغيرها من التقنيات المماثلة.

والهدف من ذلك هو التأكد من أن الدليل الذي يعرض على المحكمة هو ذات الدليل الذي تم ضبطه أو استخراجه، ولم يطرأ عليه تعديل يؤثر في مضمونه.

2- أن يكون الدليل متعلقًا بالواقعة

يشترط أن يكون الدليل الرقمي ذا صلة بالواقعة محل التحقيق أو المحاكمة، وأن يكون في إطار الموضوع المطلوب إثباته أو نفيه، ووفقًا لنطاق قرار جهة التحقيق أو المحكمة المختصة.

وبالتالي لا يجوز التوسع بصورة غير مشروعة في البحث داخل الأجهزة والأنظمة الإلكترونية بعيدًا عن الواقعة محل التحقيق.

3- أن يتم جمع الدليل واستخراجه بمعرفة المختصين

يجب أن تتم عمليات جمع واستخراج وحفظ وتحريز الدليل الرقمي وفق الضوابط التي حددتها اللائحة، ومن خلال مأموري الضبط القضائي المخولين أو الخبراء والمتخصصين المنتدبين من جهات التحقيق أو المحاكمة بحسب الأحوال.

4- توثيق الأدوات والبرامج المستخدمة

يجب أن يتضمن محضر الضبط أو التقرير الفني البيانات المتعلقة بالأدوات والبرامج والأجهزة والمعدات التي استخدمت في استخراج الدليل أو فحصه.

وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة؛ لأن المحكمة يجب أن تكون قادرة على التحقق من الطريقة التي تم بها استخراج الدليل.

5- توثيق قيمة الـ Hash

من الضوابط الفنية المهمة توثيق كود أو خوارزمية Hash الناتجة عن استخراج النسخ المطابقة للأصل من الدليل الرقمي، مع المحافظة على الأصل دون عبث.

والـ Hash يمكن تبسيطه بأنه بصمة رقمية تساعد في التحقق من تطابق البيانات وعدم تغييرها.

6- الحفاظ على الأصل

من أهم الضمانات الفنية ألا يكون استخراج نسخة من الدليل الرقمي سببًا في العبث بالأصل أو تغييره.

ولهذا فإن التعامل مع الهاتف أو الحاسب أو الوسيط الإلكتروني محل الفحص يجب أن يتم وفق إجراءات فنية تضمن سلامة البيانات الأصلية.

رابعاً: هل لقطة الشاشة Screenshot تعتبر دليلاً رقميًا؟

هذه من أكثر المسائل التي تثار عمليًا أمام المحاكم.

والإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة.

مجرد وجود لقطة شاشة لا يعني بالضرورة أنها تتمتع وحدها بالحجية الكاملة للدليل الرقمي.

فلقطة الشاشة قد تكون ذات أهمية في إثبات واقعة معينة، ولكن قيمتها الإثباتية تتوقف على ظروف الحصول عليها ومدى إمكانية التحقق من مصدرها وسلامتها وعدم التلاعب بها، وعلى ما إذا كانت مدعومة بفحص فني أو أدلة أخرى بحسب طبيعة الدعوى.

ولهذا يجب التفرقة بين:

صورة لمحتوى إلكتروني

وبين:

دليل رقمي تم استخراجه وفحصه وتوثيقه وفق الضوابط الفنية والقانونية.

وهذه التفرقة مهمة جدًا في قضايا الابتزاز الإلكتروني والسب والقذف الإلكتروني والتشهير والتهديد واختراق الحسابات وانتحال الشخصية.

خامساً: هل رسائل واتساب تصلح دليلاً أمام المحكمة؟

يمكن أن تكون المحادثات والرسائل الإلكترونية عنصرًا من عناصر الإثبات، ولكن لا ينبغي النظر إلى صورة المحادثة وحدها بمعزل عن طريقة الحصول عليها ومدى إمكانية التحقق من مصدرها وسلامتها.

ففي القضايا الجنائية قد يكون من المهم فنيًا فحص الهاتف أو الحساب أو الوسيط الإلكتروني ذاته، متى كان ذلك لازمًا لإثبات مصدر الرسائل ومحتواها وسلامتها.

كما قد تدعم الرسائل بأدلة أخرى مثل:

  • تقرير الفحص الفني.
  • بيانات الهاتف.
  • بيانات الحساب.
  • بيانات الاتصال.
  • اعتراف أو إقرار.
  • شهادة الشهود.
  • محاضر الضبط.
  • أدلة فنية أخرى.

والقاعدة العملية المهمة هي أن قوة الرسالة الإلكترونية لا تتعلق بالكلمات المكتوبة فيها فقط، وإنما بمدى إمكانية إثبات نسبتها إلى مصدرها وسلامة الدليل الذي يحتوي عليها.

سادساً: حجية البريد الإلكتروني في المواد المدنية والتجارية

لا تقتصر الحجية القانونية للوسائل الإلكترونية على المجال الجنائي.

فقد نظم القانون رقم 15 لسنة 2004 حجية الكتابة والمحررات الإلكترونية في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية.

ونصت المادة 15 منه على أن:

للكتابة الإلكترونية والمحررات الإلكترونية في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية في أحكام قانون الإثبات، متى استوفت الشروط المنصوص عليها في القانون وفقًا للضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية.

وبالتالي فإن المشرع لم يضع الكتابة الإلكترونية في مرتبة أقل لمجرد كونها إلكترونية، وإنما منحها الحجية القانونية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية متى استوفت الشروط القانونية والفنية.

سابعاً: حجية التوقيع الإلكتروني

قرر القانون رقم 15 لسنة 2004 أيضًا حجية قانونية للتوقيع الإلكتروني.

فقد نصت المادة 14 على أن للتوقيع الإلكتروني في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للتوقيعات في قانون الإثبات، متى روعي في إنشائه وإتمامه الشروط القانونية والضوابط الفنية والتقنية المقررة.

وهذا يعني أن التوقيع الإلكتروني ليس مجرد صورة أو علامة إلكترونية، وإنما يمكن أن تكون له حجية قانونية كاملة متى استوفى متطلبات القانون.

وتنظم هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (ITIDA) منظومة التوقيع الإلكتروني في مصر، وفقًا للقانون رقم 15 لسنة 2004، وتتيح المنظومة خدمات التوقيع والختم الإلكتروني والبصمة الزمنية وفق الضوابط المعتمدة.

ثامناً: ما الفرق بين الدليل الرقمي والمحرر الإلكتروني؟

رغم ارتباط المصطلحين، إلا أن هناك فرقًا في نطاق كل منهما.

الدليل الرقمي

هو مفهوم أوسع، ويشمل المعلومات الإلكترونية التي يمكن أن تكون لها قيمة ثبوتية ويتم استخراجها أو تحليلها باستخدام الوسائل التقنية.

المحرر الإلكتروني

هو رسالة بيانات تتضمن معلومات تنشأ أو تدمج أو تخزن أو ترسل أو تستقبل بوسيلة إلكترونية أو ضوئية أو وسيلة مشابهة.

وقد نظم القانون رقم 15 لسنة 2004 حجية الكتابة والمحررات الإلكترونية، بينما نظم القانون رقم 175 لسنة 2018 حجية الأدلة الرقمية في الإثبات الجنائي.

تاسعاً: موقف محكمة النقض من حجية المحررات الإلكترونية

أكدت محكمة النقض المصرية أهمية استيفاء المحررات الإلكترونية للشروط الفنية والتقنية المقررة قانونًا.

وفي الطعن رقم 17051 لسنة 87 قضائية – جلسة 28 مارس 2019، قررت محكمة النقض في شأن المراسلات الإلكترونية أن حجيتها تتوقف على استيفائها للشروط المنصوص عليها في قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني ولائحته التنفيذية.

كما أكدت المحكمة أن الرسالة الإلكترونية تكون معتبرة متى توافرت الشروط القانونية والفنية اللازمة للتحقق من وقت إنشائها ومصدرها وسلامتها من العبث.

ويكشف هذا الحكم عن مبدأ مهم للغاية:

ليست العبرة بكون الدليل إلكترونيًا أو ورقيًا، وإنما بمدى توافر الشروط القانونية والفنية التي تسمح بالثقة في مصدره وسلامته ومضمونه.

عاشراً: هل يستطيع الخصم إنكار الرسائل الإلكترونية؟

إنكار الرسالة أو جحدها لا يعني بالضرورة انتهاء قيمتها في كل الأحوال، كما أن تقديمها لا يعني تلقائيًا ثبوت مضمونها.

ففي المنازعات المدنية والتجارية، إذا كانت الرسالة الإلكترونية محل إنكار أو جحد، فإن المحكمة تبحث في مدى استيفائها للشروط الفنية والقانونية التي تمنحها الحجية.

وقد كان هذا تحديدًا محل بحث أمام محكمة النقض في الطعن رقم 17051 لسنة 87 قضائية، حيث انتقدت المحكمة قضاءً أقام إلزامًا على رسائل إلكترونية جحدها الخصم دون بحث مدى توافر الشروط الفنية والتقنية اللازمة لحجيتها.

الحادي عشر: هل يمكن أن يكون الحساب الإلكتروني دليلًا على ارتكاب الجريمة؟

وجود حساب إلكتروني باسم شخص معين لا يعني في جميع الأحوال أن هذا الشخص هو الذي ارتكب الواقعة محل الاتهام.

فقد يحدث:

  • اختراق للحساب.
  • استخدام الحساب بواسطة شخص آخر.
  • سرقة كلمة المرور.
  • استخدام هاتف أو جهاز من شخص آخر.
  • انتحال شخصية صاحب الحساب.
  • إنشاء حساب مزيف باسمه أو صورته.

ومن ثم فإن نسبة الحساب أو الرسالة إلى شخص معين تحتاج إلى بحث فني وقانوني بحسب ظروف الواقعة.

وتزداد أهمية هذا الأمر في جرائم:

  • الابتزاز الإلكتروني.
  • انتحال الشخصية.
  • اختراق الحسابات.
  • التهديد الإلكتروني.
  • السب والقذف عبر الإنترنت.
  • نشر الصور الخاصة.
  • التشهير.
  • الاحتيال الإلكتروني.

الثاني عشر: الدليل الرقمي وعنوان IP

قد تظهر في بعض القضايا بيانات تتعلق بعنوان IP المستخدم في الاتصال.

ولكن يجب عدم الخلط بين معرفة عنوان الاتصال وبين إثبات هوية الشخص الذي ارتكب الفعل.

فعنوان IP قد يساعد في تحديد اتصال أو جهاز أو شبكة أو مسار تقني معين، لكن إسناد الفعل إلى شخص محدد يتطلب دراسة مجموعة الأدلة والبيانات الفنية والإجرائية، بحسب ظروف كل قضية.

ومن ثم لا يصح افتراض أن مجرد ظهور عنوان IP باسم أو جهة معينة يعني وحده وبصورة حاسمة أن صاحب الاسم هو مرتكب الجريمة.

الثالث عشر: أهمية تقرير الفحص الفني

في كثير من القضايا الإلكترونية، يكون التقرير الفني عنصرًا بالغ الأهمية.

فالتقرير قد يتناول:

  • الجهاز محل الفحص.
  • نوع الجهاز ورقمه وبياناته.
  • الوسيط الإلكتروني.
  • الحساب محل البحث.
  • البرامج المستخدمة في الفحص.
  • طريقة استخراج البيانات.
  • الملفات التي تم العثور عليها.
  • الرسائل أو الصور أو المقاطع المستخرجة.
  • بيانات الإنشاء أو التعديل المتاحة فنيًا.
  • البصمة الرقمية للبيانات.
  • مدى مطابقة النسخة للأصل.

ويجب أن يكون التقرير واضحًا في بيان الإجراءات والأدوات الفنية التي تم استخدامها، حتى يمكن للمحكمة تقدير الدليل على أساس سليم.

الرابع عشر: الدليل الرقمي غير المشروع

حجية الدليل الرقمي لا تنفصل عن مشروعية الحصول عليه.

فليس المقصود أن كل معلومة إلكترونية يمكن الحصول عليها بأي وسيلة ثم تقديمها للمحكمة باعتبارها دليلًا صحيحًا.

فإذا تم الحصول على الدليل بطريقة تخالف الضمانات القانونية أو من خلال إجراء غير مشروع، فقد يثور الدفع ببطلان الإجراء وما ترتب عليه من أدلة، بحسب طبيعة الإجراء والجهة التي قامت به والظروف التي تم فيها الحصول على الدليل.

وهنا يجب التمييز بين:

صحة محتوى الدليل

و

مشروعية الحصول عليه.

فقد يكون المحتوى حقيقيًا، ولكن طريقة الحصول عليه تكون محل مناقشة قانونية.

الخامس عشر: الدليل الرقمي وحرمة الحياة الخاصة

ترتبط الأدلة الرقمية ارتباطًا وثيقًا بالحق في الخصوصية، لأن الهواتف والحسابات الإلكترونية تحتوي على قدر هائل من المعلومات الشخصية.

ومن ثم فإن فحص الهاتف أو الدخول إلى الحسابات أو ضبط البيانات الإلكترونية لا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراءً تقنيًا مجردًا، وإنما يخضع للضوابط القانونية والإجرائية المقررة.

وهذا الأمر مهم بصورة خاصة عندما يتضمن الدليل:

  • صورًا شخصية.
  • محادثات خاصة.
  • رسائل شخصية.
  • بيانات مالية.
  • بيانات صحية.
  • ملفات شخصية.
  • مراسلات خاصة.

السادس عشر: هل الدليل الرقمي أقوى من الدليل التقليدي؟

لا يصح القول إن الدليل الرقمي أقوى دائمًا من الدليل التقليدي.

فالقانون أعطى الدليل الرقمي، متى استوفى شروطه، قيمة وحجية الأدلة المادية في المجال الذي نظمه القانون، لكن تقدير الأدلة يظل من اختصاص المحكمة وفقًا للقواعد المقررة.

وقد يكون الدليل الرقمي قويًا جدًا في حالة، بينما تكون قيمته محدودة في حالة أخرى بحسب:

  • مصدره.
  • طريقة الحصول عليه.
  • سلامته.
  • مدى نسبته إلى صاحبه.
  • علاقته بالواقعة.
  • طريقة تحريزه.
  • تقرير الفحص الفني.
  • باقي أدلة الدعوى.

السابع عشر: أهم الدفوع المتعلقة بالدليل الرقمي

بحسب ظروف كل قضية، يمكن أن تثار أمام المحكمة دفوع ومنازعات تتعلق بالدليل الرقمي، ومن بينها:

  1. الدفع بعدم مشروعية الحصول على الدليل.
  2. الدفع ببطلان إجراءات الضبط أو التفتيش بحسب الأحوال.
  3. الدفع بعدم سلامة الدليل الرقمي.
  4. الدفع باحتمال العبث أو التعديل.
  5. الدفع بعدم نسبة الحساب أو الهاتف إلى المتهم.
  6. الدفع باحتمال اختراق الحساب.
  7. الدفع بعدم كفاية لقطة الشاشة وحدها.
  8. الدفع بقصور التقرير الفني.
  9. الدفع بعدم بيان الأدوات والبرامج المستخدمة في الفحص.
  10. الدفع بعدم توثيق النسخة الرقمية أو قيمة الـ Hash بحسب الأحوال.
  11. الدفع بانقطاع الصلة بين الدليل والمتهم.
  12. الدفع بعدم صلة الدليل بالواقعة محل الاتهام.

وتختلف قيمة كل دفع بحسب ظروف الدعوى والأدلة المقدمة فيها.

الثامن عشر: كيف يتم تقديم الدليل الرقمي للمحكمة بطريقة صحيحة؟

عند وجود دليل إلكتروني مهم في دعوى قضائية، ينبغي المحافظة عليه منذ البداية وعدم العبث بمصدره.

ومن الناحية العملية يجب:

  • الاحتفاظ بالجهاز أو الوسيط الأصلي متى كان ذلك ممكنًا ومشروعًا.
  • عدم تعديل الملفات الأصلية.
  • عدم حذف الرسائل.
  • عدم إعادة ضبط الهاتف.
  • الاحتفاظ بالمعلومات المتعلقة بالحساب.
  • الاحتفاظ بالروابط والتواريخ والبيانات المتاحة.
  • توثيق الواقعة بأكبر قدر ممكن.
  • الاستعانة بالخبرة الفنية عند الحاجة.
  • عدم الاكتفاء بصورة شاشة في الوقائع التي تحتاج إلى فحص فني.
  • بيان كيفية الحصول على الدليل.
  • ربط الدليل بالواقعة والشخص محل الاتهام أو النزاع.

وفي القضايا الجنائية، تظل إجراءات الضبط والفحص والتحريز والاستخراج الفني ذات أهمية أساسية في تحديد مدى حجية الدليل.

التاسع عشر: الدليل الرقمي في قضايا الابتزاز الإلكتروني

يكتسب الدليل الرقمي أهمية خاصة في جرائم الابتزاز الإلكتروني.

فعلى سبيل المثال، إذا قام شخص بإرسال رسائل تهديد أو طلب مبالغ مالية مقابل عدم نشر صور خاصة، فقد تشمل الأدلة:

  • المحادثات.
  • الرسائل.
  • أرقام الهواتف.
  • الحسابات الإلكترونية.
  • الصور أو الملفات المرسلة.
  • التسجيلات المتاحة قانونًا.
  • بيانات الحساب.
  • البيانات الفنية.
  • تقرير الفحص الفني.

والأفضل عدم حذف المحادثة أو الحساب أو الرسائل قبل اتخاذ الإجراءات القانونية والفنية اللازمة، لأن حذف الدليل قد يصعب عملية الفحص والإثبات.

العشرون: الدليل الرقمي في جرائم السب والقذف الإلكتروني

في جرائم السب والقذف المرتكبة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، قد تكون المنشورات أو التعليقات أو الرسائل الإلكترونية محل الاستناد إليها في الإثبات.

لكن ينبغي إثبات:

  • وجود المحتوى.
  • مضمونه.
  • نسبته إلى الحساب محل الاتهام.
  • صلة المتهم بالحساب بحسب الأحوال.
  • سلامة الدليل.
  • توقيت الواقعة.
  • الظروف الفنية المتعلقة بالحساب والمحتوى.

ومن هنا تأتي أهمية الفحص الفني وعدم الاكتفاء في القضايا التي تتطلب ذلك بمجرد صورة مطبوعة من منشور.

الحادي والعشرون: ما الذي يضعف حجية الدليل الرقمي؟

من أهم الأمور التي قد تؤثر في قيمة الدليل الرقمي:

  • عدم معرفة مصدره.
  • عدم إمكانية التحقق من نسبته.
  • وجود شبهة تعديل أو تلاعب.
  • عدم بيان كيفية استخراجه.
  • قصور التقرير الفني.
  • عدم الحفاظ على الأصل.
  • مخالفة الضوابط الفنية.
  • عدم صلة الدليل بالواقعة.
  • الحصول عليه بطريقة غير مشروعة.
  • وجود احتمال معقول لاستخدام الحساب من شخص آخر.

ولهذا فإن الدفاع في القضايا الرقمية يجب ألا يقتصر على إنكار محتوى الدليل، بل يجب أن يبحث في سلسلة إنشاء الدليل وحيازته واستخراجه وفحصه ونسبته.

الثاني والعشرون: حجية الدليل الرقمي أمام القضاء الإداري

لا تقتصر أهمية الدليل الرقمي على القضاء الجنائي والمدني والتجاري، وإنما يمكن أن تظهر أيضًا أمام القضاء الإداري، بحسب طبيعة النزاع والدليل المقدم.

وقد أصبحت البيانات الإلكترونية وأنظمة الحاسب والسجلات الرقمية جزءًا من العمل الإداري الحديث، ولذلك قد تكون البيانات المستخرجة من الأنظمة الإلكترونية محل بحث في المنازعات الإدارية، مع خضوعها للقواعد القانونية والفنية التي تحكم كل حالة.

الثالث والعشرون: أهم مبدأ قانوني في حجية الدليل الرقمي

يمكن تلخيص الموقف التشريعي والقضائي في قاعدة مهمة:

الدليل الرقمي ليس فاقدًا للحجية لمجرد كونه إلكترونيًا، وليس كامل الحجية لمجرد تقديمه في صورة إلكترونية.

وإنما تتحدد قوته القانونية بحسب:

مصدر الدليل + مشروعية الحصول عليه + سلامته + طريقة استخراجه + طريقة حفظه وتحريزه + إمكانية نسبته إلى صاحبه + صلته بالواقعة + استيفائه للشروط الفنية والقانونية.

وهذا هو جوهر المادة 11 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بالنسبة للإثبات الجنائي، وجوهر المادتين 14 و15 من قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني بالنسبة للتوقيعات والكتابة والمحررات الإلكترونية في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية.

الرابع والعشرون: الخلاصة

أصبح الدليل الرقمي واقعًا قانونيًا وقضائيًا لا يمكن تجاهله، وقد اعترف المشرع المصري بحجيته ووضع له ضوابط فنية وقانونية دقيقة.

وفي المجال الجنائي، أعطى القانون رقم 175 لسنة 2018 الأدلة الرقمية ذات قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية متى استوفت الشروط الفنية المقررة في اللائحة التنفيذية.

وفي المجال المدني والتجاري والإداري، منح القانون رقم 15 لسنة 2004 للكتابة والمحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني الحجية القانونية المقررة لنظائرها التقليدية، متى استوفت الشروط القانونية والفنية.

كما أكدت محكمة النقض أن المحررات والرسائل الإلكترونية لا تكتسب حجيتها بمجرد تقديمها للمحكمة، وإنما يجب استيفاء الشروط التي تمكن من التحقق من مصدرها ووقت إنشائها وسلامتها من العبث.

ومن ثم، فإن التعامل مع الدليل الرقمي يحتاج إلى محامٍ يفهم الجانب القانوني والفني معًا، لأن المنازعة قد لا تكون في مضمون الرسالة أو الصورة فقط، وإنما في طريقة الحصول عليها ونسبتها وسلامتها ومشروعية استخراجها.

استشارة قانونية في قضايا الأدلة الرقمية والجرائم الإلكترونية

إذا كانت لديك محادثات واتساب، أو رسائل إلكترونية، أو صور، أو تسجيلات، أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بيانات مستخرجة من هاتف أو حاسب، وكانت هذه الأدلة مرتبطة بدعوى قضائية أو بلاغ جنائي، فمن المهم عدم حذفها أو تعديلها أو الاكتفاء بنسخ غير موثقة منها قبل دراسة كيفية تقديمها والاستفادة منها قانونًا.

ويقدم مكتب محمد حسن عايد المحامي بالنقض الاستشارات القانونية في القضايا التي تتضمن أدلة رقمية، ومنها جرائم الابتزاز الإلكتروني، والتهديد، والسب والقذف، والتشهير، وانتحال الشخصية، واختراق الحسابات، والمنازعات المتعلقة بالمحررات والرسائل الإلكترونية، مع بحث حجية الدليل وطريقة الحصول عليه وسلامته ومدى صلته بالواقعة.

بيانات المكتب

مكتب تلا:
تلا – شارع البطل أحمد عبد العزيز – أمام المحكمة.

مكتب شبين الكوم:
شبين الكوم – شارع أنور السادات – أعلى معمل البرج – الدور الثاني.

للاستفسار والتواصل واتساب أو اتصال:
01097672223

إعداد / محمد حسن عايد المحامي بالنقض

الكلمات المفتاحية الرئيسية

حجية الدليل الرقمي، حجية الدليل الإلكتروني، الدليل الرقمي في الإثبات، حجية الأدلة الرقمية في القانون المصري، الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي، شروط حجية الدليل الرقمي، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، المادة 11 قانون 175 لسنة 2018.

الكلمات المفتاحية الثانوية

حجية رسائل واتساب، حجية لقطات الشاشة، Screenshot في القانون المصري، حجية البريد الإلكتروني، الدليل الرقمي في قضايا الابتزاز، الدليل الرقمي في جرائم الإنترنت، فحص الهاتف في القضايا الجنائية، تقرير الفحص الفني، حجية المحررات الإلكترونية، التوقيع الإلكتروني، محامي جرائم إلكترونية، محامي قضايا الإنترنت.

Gemini Generated Image docz89docz89docz
error: Content is protected !!